تُمثل النفس الإنسانية فضاءً واسعاً من التفاعلات والدوافع؛ إذ لم يُخلق الإنسان كائناً ساكناً، بل جُبل على قوى ومؤثرات داخلية وخارجية تُشكّل بوصلة سلوكه وقراراته في الحياة.
فبين نقاء الفطرة التي تهديه إلى خالقه، وحرية الاختيار التي تضعه في اختبار دائم بين الخير والشر، يقف الإنسان أمام صراع خفي تقوده الشهوات الفطرية وتنازعه نزغات الهوى. وفي خضم هذا التجاذب، يرسم المنظور الإسلامي إطاراً واضحاً يعيد للنفس اتزانها؛ فيكشف عن غاية وجودها الأسمى، ويوجه طاقاتها نحو حياة ملؤها الطمأنينة في الدنيا والفوز في الآخرة.
فما هي أبرز هذه العوامل التي تحكم حركة النفس الإنسانية؟ وكيف تتفاعل معاً لتصنع مصير الإنسان؟
أولاً: الفطرة الإنسانية
يولد الإنسان بفطرة نقية سليمة؛ وهي استعداد ذاتي وطاقة عقلية وروحية كامنة تقوده مع الوقت إلى الإيمان بوجود خالق واحد لهذا الكون، مشكّلة بوصلة تهدي النفس إلى الدين الحق. والفطرة في جوهرها قابلية لإدراك الحق والتسليم له، ما لم تتدخل البيئة المحيطة لتغيّر هذا المسار وتلوث نقاءه بما تبثه في عقل الناشئ من أفكار وتصورات منحرفة؛ ولذا فإن الفطرة ترتبط بالدين ارتباطاً أصيلاً ومباشراً.
قال الله سبحانه وتعالى:
﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: 30]
وقال سيدنا محمد ﷺ:
«ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه».
ثانياً: الخير والشر في النفس البشرية
مثلما فُطر الإنسان على الإيمان، فقد رُكّب فيه أيضاً استعداد متكافئ لفعل الخير أو الشر؛ وتعد القدرة على الاختيار بينهما السمة الأبرز التي تميزه عن سائر الكائنات الحية، فالحيوانات لا توصف أفعالها وسلوكياتها بأحكام الخير أو الشر لخلوها من التكليف، بخلاف الإنسان الممنوح إرادة حرة يوجّه بها سلوكه، حتى تراه في اليوم ذاته قد يقدم على إحسان أو يقع في إساءة.
قال الله تعالى:
﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ [الشمس: 7-10]
ويرتبط هذا الابتلاء بين الخير والشر بنظام الجزاء الأخروي؛ فنحن نعيش ونعمل عالمين بأن لكل قرار وخطوة أثراً ممتداً في الدار الآخرة، وميزان العمل الرابح يُقاس بمآله وثماره في ذلك اليوم.
قال تعالى:
﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 7-8]
ولأن الدين الإسلامي هو المرجع الأساسي في تحديد معايير الخير والشر، فإن مناط المسؤولية يقع كاملاً على عاتق الإنسان بما يملكه من حرية كاملة للاختيار بين هذين المسارين.
ثالثاً: الغاية من وجود الإنسان
خُلق الإنسان في هذه الدنيا لغاية سامية تتجاوز مجرد البقاء المادي، وتتمثل في عبادة الله سبحانه وتعالى حق عبادته، وشكره على نعمه، والإكثار من الصالحات، واجتناب المنهيات؛ امتثالاً لقوله تعالى:
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]
ولذلك يدرك المسلم أن أسمى مقاصد حياته هي عبادة الله بأداء الفرائض والتقرب إليه بالنوافل. ولا يتعارض هذا التكليف مع رغبة الإنسان في أن يحيا حياة هانئة ملؤها الرضى والطمأنينة، يلتمس فيها الراحة والرفاه المباح؛ كما بيّن القرآن الكريم في دعاء المؤمنين:
﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: 201]
وهكذا تتكامل في الوجود الإنساني غايتان: غاية أولى تعبدية تتمثل في طاعة الله وشكره وعمارة الآخرة بالصالحات، وغاية ثانية متفرعة عنها تعنى بتحقيق السعادة والسكينة الدنيوية في ظلال ما شرعه الله وأباحه.
رابعاً: الهوى والشهوات
تتجاذب النفس الإنسانية قوتان محركتان هما الهوى والشهوات؛ فـالهوى هو الانقياد وراء ما تحبه النفس وتفضله ذاتياً، حتى وإن خالف العقل والصدق والحق. ويرتبط الهوى بالميول الفكرية والعقائدية والشخصية، ولذلك امتنع كثير من كفار قريش عن اتباع الإسلام رغم يقينهم بأنه الدين الحق، مدفوعين بأهوائهم وعصبياتهم القبلية أو خشية لوم قومهم إن تركوا دين آبائهم؛ ولذا جاء الشرع بذم اتباع الهوى والتحذير منه كونه يعمي البصيرة:
قال الله تعالى:
﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ﴾ [الجاثية: 23]
وقال سبحانه:
﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: 26]
أما الشهوات، فهي حاجات ورغبات غريزية فطرية متصلة بمتاع العالم الخارجي؛ كالرغبة الفطرية في التملك، والرفاهية، ومصاهرة النساء، والمال، وهي ليست مذمومة لذاتها ما دامت فطرية ولازمة لاستمرار الحياة وعمارتها، بل أتاح الإسلام نيلها وتلبيتها بالوسائل المشروعة المنضبطة.
قال الله تعالى:
﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ۗ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران: 14]
إن فهم العوامل المؤثرة في النفس الإنسانية من المنظور الإسلامي ليس ترفاً فكرياً، بل هو مفتاح الوعي بالذات وضبط مسار الحياة. فالإنسان حين يدرك نداء فطرته، ويعي مسؤوليته الأخلاقية أمام ثنائية الخير والشر، يستطيع أن يُميّز بوضوح بين شهواته الفطرية المشروعة ونزغات الهوى المردية.
وفي النهاية، لا يكتمل اتزان هذه النفس إلا حين ترتبط بغايتها الكبرى؛ فتجعل من عبادة الله منطلقاً لكل سعي، وتوازن بحكمة بين عمارة دنياها والفوز بآخرتها، لتتحقق لها الطمأنينة الحقة وتنجو في اختبار الإرادة والاختيار.
بقلم: ماهر دعبول
تأملات: مكونات الشخصية الإنسانية
الجسد، النفس، القلب، والعقل.. رحلة للتعرف على الذات وجوهر التكوين البشري في مواجهة فوضى الحياة.