هل رأيت جماعة أو تيارًا فكريًا يعتقد أنه وحده من يغير العالم، وأنه مركز كل التغيرات الحاسمة في محيطه، وأن جميع الأطراف الأخرى تحيك له المؤامرات، وتحاول التخلص منه أو تقويض وجوده، فهو – في نظر نفسه – الخير المطلق الوحيد، والحقيقة التي لا تقبل الشريك.
إنها (البارانويا الإيديولوجية) حالة فكرية أو جماعية تعاني منها بعض التيارات والمذاهب، حيث تسيطر عليها أفكار ومعتقدات تنسج لنفسها منطقًا خاصًا مغلقًا من اختراعها. ويتسم خطاب هذه الجماعات وثقافتها بالشك المفرط في الآخر، والريبة الدائمة من أي رأي مخالف، والعناد المبالغ فيه في الدفاع عن معتقداتها، ليس بهدف الوصول إلى الحقيقة بل بهدف إثبات صحة أفكارها وحدها واحتكار الصواب لنفسها.
يحمل البشر في كوكب الأرض الكثير من الأفكار والعقائد التي تقسمهم وتفرق بينهم على الصعيد الميتافيزيقي، والصعيد الاجتماعي والعرقي والسياسي، وحتى في التجمعات العلمية. حيث غالبًا ما يتجمع البشر كمجموعات، وكل مجموعة تحتكر الخير لنفسها، وتحرم الأطراف الأخرى قسطها منه، وتصير البارانويا جزءًا من اللاواعي الجمعي للجماعات التي تشعر غالبًا أنها الفرقة الأفضل، وكأن باقي الفرق تحاول استهدافها، ويصدر عن ذلك الشعور الجمعي بالعظمة والارتياب.
هذا ما تجسد في كثير من المجموعات الراديكالية، التي أسست الجزء الأهم من بنائها العقائدي على فكرة الفرقة الناجية. وهذا يتجسد على المستوى الديني، ونرى آثاره في الحروب والصراعات التي نشأت من منطلق "الريبة والعظمة". ونراه أيضًا على المستوى السياسي، فبالرغم من تقدم الديمقراطية في العديد من دول العالم، مازالت الأطراف اليمينية واليسارية تحشد بفكرة نظرية البارانويا، فكل طرف يرى في نفسه صاحب الحق الوحيد.
وكذلك طبقات المجتمع المتعددة كل منها – بشكل منفصل – ترى أنها الأفضل والمستهدفة، مثلًا: (البرجوازية والأرستقراطية).
البارانويا ليست التعصب لفكرة ما، بل هي الاعتقاد بعظمتها، واستحالة وجود أي أفكار من الممكن أن تجاريها.
ويحدث ذلك مع المجتمع العلمي، أو ما يسمى بأنصار العلم، فهم يقارعون بعضهم بعضًا في المناظرات والمحافل العلمية، وكل يحاول احتكار العلم لذاته، ونسب التفاسير العلمية للأشياء لنظرية دون أخرى، معتقدين أنها التجسيد الحقيقي للحقيقة.
إذا ما أردنا البحث عن تضاد مع البارانويا الإيديولوجية، نرى أنه "الحرية الفكرية" التي تجعل من العقل الأداة الأهم للوصول للآراء، وتسمح لنا باختيار الصواب والخطأ.
حيث نرى أن كثيرًا من أنصار العلمانية يجعلون دأبهم أن يذموا وينقدوا ويشتموا أنصار الفكر الديني والميتافيزيقي، ويتهمونهم بالتخلف. وعلى الطرف المقابل يقوم أصحاب الفكر الميتافيزيقي بحشد قواهم للذود عن عقائدهم، ومهاجمة الطرف الآخر؛ حيث يعتقد كل طرف منهم أن الآخر يحاول هدمه، ويعتقد أتباعه أن الفضل حكر عليه. لذلك فالحل المهم أن نقبل الاختلاف، وتعددية الحقيقة والحق، ونحاول دائمًا أن نبني جسور التعاون والتآلف الإنساني، محاولين التأثير بالعقل الجمعي؛ لتغيير فكرة الارتياب الاجتماعي، واحتكارية الخير.
البارانويا الإيديولوجية هي واحدة من أهم المصاعب التي واجهت البشرية منذ القدم، وكانت سببًا لصراعات عسكرية وفكرية ومذهبية حول العالم. لذلك ينبغي أن نحرر عقولنا وإنسانيتنا ونتقبل اختلاف الناس حولنا، وتعدد مشارب فكرهم، ونتقبل ألوانهم وأديانهم وأفكارهم، ونحترمها، لعل البشرية تسير يومًا نحو مجتمعات أكثر رقيًا.
بقلم: ماهر دعبول.
Tags:
فكر
